محمد هادي معرفة

87

التمهيد في علوم القرآن

القلب ، والجيب الوريدي . ثم يعاد التركيب ليدخل الجيب الوريدي في الأذين الأيمن ، وتدخل بصلة القلب في البطين الأيمن والأيسر ، ومن بصلة القلب أيضا تنشأ جذور الشريان الأورطي والشريان الرئوي . ومن له أدنى إلمام بعلم الأجنّة وعلم التشريح وعلم وظائف الأعضاء يعرف كيف أنّ أجهزة الجسم المختلفة تهدم ويعاد بناؤها باستمرار . وتتجلّى هذه التسوية والتعديل في أجلى صورها في الجنين ، ثم تقلّ نسبيا بعد الولادة ، ثم تقلّ كذلك بعد البلوغ ، ولكنها لا تتوقّف حتّى في الشيخوخة . وهناك جهاز واحد فقط لا يشمله التغيير والتبديل المستمر ، ألا وهو الجهاز العصبي . فالجهاز العصبي : الدماغ والنخاع الشوكي والأعصاب لا تتغيّر بعد الولادة من حيث الهدم والبناء . . . ولكنّها تتغيّر من حيث اتّصالات الخلايا العصبية ببعضها . أمّا قبل الولادة في الجنين - وخاصّة في الشهر الثاني من الحمل - فإنّ التغيير يكون فيها على أشدّه . ففي كلّ لحظة هناك تغيير في الشكل أو في الوظيفة أو في إزالة مجموعة من الخلايا قد أدّت وظيفتها . . . أو في بناء مجموعة أخرى . إنّ ما يحدث في الجنين شبيه إلى حد ما بما يحدث عند بناء عمارة ، فهناك السقالات والأعمدة التي تقام ثمّ تهدم وتزال بعد أداء وظيفتها ، وهناك بناء الأساس أولا ، ثمّ بناء الأعمدة والجدران ، ثمّ بعد ذلك تأتي مرحلة الأبواب والنوافذ ، ثمّ تأتي بعد ذلك مرحلة التبليط والتزيين والتحسين « الديكور » ولا يمكن أن تقوم مرحلة التبليط قبل بناء الأعمدة والجدران ، ولا يمكن وضع الموزاييك والتحسينات قبل إقامة الأبواب والنوافذ ، وهكذا كلّ مرحلة تدلف إلى المرحلة التي بعدها . وكذلك في بناء جسم الإنسان ، كلّ مرحلة تدلف إلى المرحلة التي بعدها وما استخدم من أدوات في المرحلة السابقة ولم يعد له حاجة فلا بدّ من إزالته حتّى لا يعوق الطريق .